السعيد شنوقة
98
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
النظر . بهذا يقرّون أن النظر واجب ، ويترتب عليه أن المعرفة عندهم واجبة عقلا « 1 » لأنها الأساس في التكليف « 2 » . فمنها يعلم عن أفعالها ويخبر عن صفاتها ليعرف المتكلف وجوب ما يجب منه وقبح ما يقبح ، بالإضافة إلى أن المعرفة أو العلم الذي يسبق الفعل يمكّن من الإحاطة به وأحكامه وإتقانه الأمر الذي يجعل المسؤولية مكتملة ، وعناصر التقدير وافية « 3 » . وإذا كان على المكلّف لدى المعتزلة وجوب المعرفة بالأفعال وصفاتها فليس معنى ذلك عندهم أنّ أصل علمه بالأشياء وبالأفعال يأتيه من خارج ويقتصر موقفه على تقبّلها وتلقّيها وقبولها وتوجيه سلوكه في ضوء المبادئ التي يتلقاها منها بل يقتصر العلم من خارج على التمكين . ولا بد أن نوضّح هاهنا أن العلم المترتب على النظر عند المعتزلة مبني على المبادئ الضرورية التي وضعها الله عز وجل فينا . ولكن حصول العلم الاستدلالي بالأشياء والتكليف والتيقّن من صحتها يرجع إلى ذات الفاعل والواقع المعاين أي أن المعتزلة يقابلون بين مطابقة العقل للواقع ومطابقة الواقع للعقل ، وبمعنى آخر يطابقون في فكرهم بين المعرفة الذاتية والمعرفة الموضوعية .
--> - وأهل السنة عامة والغزالي خاصة مذهبا وسطا إذ يقدمون الشرع على العقل من ناحية ، ويجعلون للعقل مدخلا في فهم الشرع من ناحية أخرى ؛ فيؤكدون بذلك افتقار كل منهما للآخر : انظر د . محمد عبد الرحمن مرحبا ، من الفلسفة اليونانية على الفلسفة الإسلامية ، مكتبة الفكر الجامعي بيروت ، ط 1 ، 1970 ، ص 631 . ( 1 ) انظر : الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، مكتبة المتنبي ، القاهرة ، ص 31 . وقد اختلف المعتزلة في كيفية حصول العلم إلى قائل بأنه يحصل طبعا واضطرارا وقائل بحصوله عن طريق الوحي والإلهام والتقليد إلى قائل بتولّده عن طريق النظر . ويعدّ غالبيتهم النظر طريقا لتوليد العلم . وقد ردّ أبو عبد الله السنوسي ( ت 895 ه ) طريق حصول العلم إلا لناظر لأنه أول واجب على المكلف . وقد ذكر أن ابن أبي حمزة والقشيري وابن رشد والإمام الغزالي وجماعة ذهبوا إلى أن : « النظر ليس بشرط في صحة الإيمان ، وليس بواجب أصلا ، وإنما هو من شروط الكمال فقط » . انظر شرح أم البراهين في علم الكلام ، تحقيق وتعلق مصطفى محمد العماري ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1989 م ، ص 25 - 26 . ( 2 ) التكليف عند غالبية المعتزلة عقلي قبل أن يكون شرعيا ، فالواجبات العقلية عندهم أسبق في الفكر فالواجبات الشرعية التي تقوم أساسا على أصول العقل وعلى المبادئ التي يوجبها ، لذا يرون النظر في الطريق المؤدي إلى معرفة الله هو من أول الواجبات . انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 155 . ( 3 ) م ن ، ص 153 .